|
|
|
حُبُّ النِّبِـيِّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فِي القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ
تأليف محمد عمر دولة
قدّم له وعلّق عليه:
الشيخ العلامة محمد علي الطريفي
(قل إن كنتم تحبّون الله فاتبعوني يحببكم الله)
آل عمران 31
(لا يؤمن أحدكم؛ حتى أكونَ أحبَّ إليه من والده وولده والناس
أجمعين) متفق عليه.
"كلما قويت المعرفةُ والبرُّ؛ كلما قويت المحبّةُ! ولا نهايةَ
لجمال المحبوبِ ولا برِّه؛ فلا نهايةَ لمحبّته!" مدارج السالكين
3/16.
تقريظ
الحمد لله ذي الخير والإفضال، والكرم والإفضال. والصلاة والسلام
على سيِّدِنا محمد عظيمِ الخِصال وسيِّدِ أهلِ الكمال. اللهمّ
صلِّ وسلِّمْ وباركْ عليه، وعلى جميع أصحابِهِ والآل.
أما بعد، فقد اطَّلَعْتُ على مُؤلَّفِ ابنِنا محمد عمر دولة ـ
الذي اختطَّهُ وسَجَّلَه ـ سماعاً ومراجعةً من مؤلِّفِهِ؛ فكان
هذا المؤلَّفُ في حُبِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وسيرتِهِ
الزكيّةِ ذا ضوءٍ وإشراقاتٍ تنقدحُ في قلوبِ المُحِبِّين لرسول
الله صلى الله عليه وسلم.
وكمْ امتلأ قلبي غِبْطةً بالدعائم التي أسَّسَ عليها عليها
المؤلِّفُ محبَّةَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؛ فتلك
الدعائم: الأسس العقديّة لحبِّ النبي صلى الله عليه وسلم، وحقيقة
حُبِّ النبي صلى الله عليه وسلم، وعلامات حبِّ النبي صلى الله
عليه وسلم.
فكان لتلك الدّعائمِ وما صاحَبَها من بياناتٍ وشواهدَ وَقْعٌ
عظيمٌ في نفسي، وإعجابٌ كبيرٌ؛ يجعل الإنسانَ سابحاً في خِضَمٍّ
تترامى أطرافُهُ وتبعُدُ شواطئُهُ!
فجزى اللهُ ابنَنا محمد عمر دولة خيرَ الجزاء على ما سجَّلَهُ من
سيرةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم والصلاة عليه. وأسأل الله
أن ينفعَ به كلَّ من اطَّلَعَ عليه وذاكرَهُ وداومَ عليه. هذا
ولا نُزَكِّي على اللهِ أحَداً.
الشيخ محمد علي الطريفي/ عضو مجمع الفقه الإسلامي بالخرطوم،
وعميد كليّة القرآن الكريم سابقاً.
مُقَدِّمَة
الحمد لله على آلائه الكثيرة، والشكر له تبارك وتعالى على
نَعْمائه الوفيرة.
والصلاة والسلام على سيِّدِنا ونبيّنا محمد الذي فرض اللهُ علينا
محبّتَه وطاعتَه وتوقيرَه، وأوجب علينا التأسِّيَ به ونُصرتَه
وتعزيرَه.
اللهمّ صلِّ وسلّمْ وباركْ على سيِّدِنا محمد بن عبد الله:
النعمة المزجاة، والرحمة المهداة، والمنّة المسداة، صاحب اللواء
المعقود، والحوض المورود، والمقام المحمود!
اللهمّ صلِّ وسلِّمْ على سيِّدنا محمّد الذي عظّمتَ قدرَه،
وفخَّمْتَ أمرَه، وشرحتَ صدرَه، ورفعتَ ذكرَه، وجعلتَ محبّتَه
اعتقاداً ودِيناً، والصلاةَ عليه عِماداً ومُعيناً، والتأسِّيَ
بسنّتِهِ سَداداً وفوزاً مبيناً!
اللهم صلّ وسلّم على سيّدنا محمّد أرحم الناس قلباً، وأصفاهم
وُدّاً، وأعظمهم لُبّاً، وأوفاهم عهداً، وأصدقهم وعداً، وأنداهم
يداً!
اللهم صلّ وسلّم وباركْ على الحبيب الذي كان يُطيَّب بعرقه
الطِّيب،[1] ويحنّ إلى كفِّه الغصنُ الرطيب،[2] وتنبع[3] من بين
أصابعه الشريفة قِراحُ العيون،[4] وتُشفى بأنامله قُروحُ
الجفون،[5] ومن قال الله تعالى فيه: (وما أرسلناك إلا رحمةًللعالمين)![6]
[1] وبعد، فإنّ من أعظم نعم الله تعالى على عباده أن أرسل إليهم
رسلَه الكرامَ؛ لأنهم"الميزانُ الراجحُ الذي على أقوالهم
وأعمالهم وأخلاقهم توزن الأقوالُ والأخلاقُ والأعمالُ،
وبمتابعتهم يتميّز أهلُ الهدى من أهل الضلال؛ فالضرورةُ إليهم
أعظم من ضرورة البدنِ إلى روحه، والعينِِ إلى نورها، والروحِِ
إلى حياتها!".[7]
[2] وقد كان من نعم الله على أمة الإسلام أن شرّفها بسيّد الرسل
عليه الصلاة والسلام صاحب الكوثر والشفيع في يوم المحشر، كما قال
جلّ جلاله: (لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رَسولا من
أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة وإن
كانوا من قبل لفي ضلالٍ مبين)![8]
[3] ولله درّ صاحب الظلال حيث قال: "إنها المنّةُ العظمى: أن
يبعث اللهُِ فيهم رسولا... وتتضاعف المنّةُ بأن يكون هذا الرسول
من (أنفسهم) ـ لم يقل منهم ـ فإنّ لِلتعبير القرآني (من أنفسهم)
ظلالاً عميقة الإيحاء والدلالة... إنّ الصلة بين المؤمنين
والرسول هي صلةُ النفس بالنفس، لا صلة الفرد بالجنس؛ فليست
المسألةُ أنه واحدٌ منهم وكفى؛ إنما هي أعمقُ من ذلك وأرقى! ثم
إنهم بالإيمان يرتفعون إلى هذه الصِّلَة بالرسول، ويَصِلُون إلى
هذا الأفق من الكرامة على الله؛ فهو منّةٌ على المؤمنين!"[9]
[4] وقد كان من بُشرى المؤمنين أنّ من أحبّ النبي صلى الله عليه
وسلم وقام بمقتضيات هذا الحبّ؛ كان في معيّته صلى الله عليه وسلم
يوم القيامة، كما أخرج الإمام البخاري في كتاب (الأدب) باب
(علامة الحبّ في الله عزّ وجلّ) من حديث ابن مسعود وأبي موسى رضي
الله عنهما: (قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: الرجل يُحِبّ القومَ
ولمّا يلحق بهم؟ قال: الرجلُ مع من أحب!)، وحديث أنس رضي الله
عنه أنّ رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: (متى الساعةُ يا
رسول الله؟ قال: ما أعددتَ لها؟ قال: ما أعددتُ لها كثيرَ صلاةٍ
ولا صومٍ ولا صدقةٍ؛ ولكنّي أُحِبّ اللهَ ورسولَه، قال: أنتَ مع
مَن أحببتَ)![10]
[5] إنّ العاطفةُ في الإسلام ليستْ عاصفةً هوجاء، أو خبطَ عشواء!
كما أنها ليست نزعةً شخصيّةً، أو نزغةً شيطانيّةً، أو نزوةً
بهيميّةً؛ ومن تدبّر حديث الصحيحين: (ثلاثٌ من كُنَّ فيه وجد
حلاوةَ الإيمان: أن يكون اللهُ ورسولُهُ أحبَّ إليهِ مما سواهما،
وأن يُحبَّ المرءَ لا يُحِبُّهُ إلا لله، وأن يكرهَ أن يعود في
الكفر كما يكره أن يُقذّفَ في النار)؛[11] عَلِمَ أنّ للعواطف في
الإسلام أصولاً تحكمها وأُسُساً تضبطها وآداباً تهذِّبها! فـ"إذا
غُرستْ شجرةُ المحبّة في القلب، وسُقيتْ بماء الإخلاص ومتابعة
الحبيب؛ أثمرتْ أنواعَ الثمار، وآتتْ أكلها كلَّ حينٍ بإذن
ربِّها، أصلها ثابتٌ في قرار القلب، وفرعُها يتصل بسدرة
المنتهى"![12]
[6] ولعلّ من نكبات المسلمين وممّا يعترض دعوات المصلحين ما
تُعانيه هذه القلوب من القساوة؛ حتى عاد كثيرٌ منها لا يجد
للإيمان حلاوة! إما لابتذالها في التفاهات، أو ارتهانها إلى
التعلّق بالزعامات، أو امتهانها في حضيض المنكرات؛ فمثلُ هذا
القلب الذي حُرِمَ حلاوةَ الإيمانِ ما أشقاه وأقساه! (والذين
آمنوا أشدُّ حُبّاً لله)![13]
[7] ولا شك أنّ الحبّ أعظمُ عاطفةٍ عرفتْها الكائنات، وأسمى
المشاعر التي اهتزّت لوقعها الأنفُسُ الزّكيَّات؛ فتحمّلت لأجلها
المصائب والأتراح، وبذلتْ في سبيلها الأموال والأرواح؛ ولا عجباً
"فبالمحبّة وللمحبّة وُجِدت الأرضُ والسموات، وعليها فُطِرت
المخلوقات، ولها تحرّكت الأفلاكُ الدّائرات!"[14]
[8] ولعَمري إنّ عُمُرَ الإنسانِ ينبغي أن يُقاسَ بصِدْقِ
حُبِّهِ لله ورسوله وصحّة عقله وسلامة قلبه؛ فالحكماءُ يَعُدّون
أعمارَهم بمقدار انتفاعهم بأوقاتهم؛ و"ليست الحياة بعدد السنين!
ولكنها بعدد المشاعر...لأنّ الحياة ليست شيئاً آخر غير شعور
الإنسان بالحياة"![15]
[9] فالحُبُّ أشواقٌ عفيفةٌ، ونفحاتٌ لطيفةٌ، وعاطفةٌ شريفةٌ؛
و"لولا الحُبُّ؛ ما التفّ الغصنُ على الغصن، ولا عطف الظبيُ على
الظبية، ولا بكى الغمامُ لجدب الأرض، ولا ضحكت الأرضُ بزهر
الربيع، ولا كانت الحياة!"[16]
[10] ولكنْ شتّانَ بين "محبّ الرحمن، ومحبّ الأوثان، ومحبّ
النيران، ومحبّ الصلبان"![17]
فمحبّةُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم عاطفةٌ تُخالط العظمَ
واللّحم، ورُوحٌ تَسْري بين السَّحْر والنَّحر! فهي مزيجٌ من
العَقْدِ الصّحيحِ، والعَقْلِ الرّجيحِ، والوَجْدِ الصّريح؛
(وتحت الرَّغْوةِ اللَّبَنُ الفصيح)!
أراني ما ذكرتَ لك الفراقا
ودمعُك واقفٌ إلا هَراقا!
إذا هبَّ الصَّبا النّجْديُّ وَهْناً
بريحِ الرَّنْدِ أطْربني انتشاقا!
ولم أَهْوَ الكثيبَ وساكنيهِ
ولا مصرَ الخصيب[18] ولا العراقا!
ولا شوقي لكاظمةٍ ولكنْ!
إلى من سادَ أمّتَه وفاقا!
محمّدٍ المخصَّص باسم أحمد
مِن المحمودِ كان له اشتقاقا!
أولا: الأسس العقديّة لحُبِّ النبي صلى الله عليه وسلم:
[1] لا ريبَ أنّ للحُبِّ جذوراً فِكْرِيّةً وأُسساً نفسيّةً
قائمةً على المَيْلِ إلى المُوافِق في الخِصال، أو السَّاعي إلى
الكمال. ورحم اللهُ ابنَ القيِّم حيث قال: "أنتَ إذا تأمّلتَ
الوجودَ لا تكاد تجد اثنين يتحابّان؛ إلا وبينهما مُشاكَلةٌ أو
اتفاقٌ في فعلٍ أو حالٍ أو مقصدٍ؛ فإذا تباينت المقاصدُ
والأفعالُ والطرائقُ لم يكن هناك إلا النَّفْرة والبُعد بين
القلوب"![19]
[2] وإنّ لمحبّة رسول الله صلى الله عليه وسلم أسساً عقديّةً
وأبعاداً تربويّةً، تتمثّل في الولاء لرسول الله صلى الله عليه
وعلى آله وصحبه وسلم، والبراء ممّن شانأه وناوأه وحادّه وعاداه،
كما قال الله عزّ وجل: (إنما وليُّكم الله ورسولُه والذين آمنوا
الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاةَ وهم راكعون ومن يتولَّ اللهَ
ورسولَه والذين آمنوا فإنّ حزب الله هم الغالبون).[20]
[3] وإذا كان القرآن قد حكى عن المنافقين أنهم (يقولون لإخوانهم
الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أُخرِجْتُم لنخرجَنّ معكم ولا
نُطيع فيكم أحداً أبداً وإن قوتِلتم لننصرنّكم).[21] فقد أثبت
القرآنُ لأهل الإيمان التعزيرَ والنصرةَ والاتباع للنبي صلى الله
عليه وسلم، فقال الله تعالى: (فالذين آمنوا به وعزّروه ونصروه
واتبعوا النورَ الذي أُنزِل معه أولئك هم المفلحون)؛[22] وبيَّن
اللهُ عزّ وجلّ أنّ نُصرةَ النبيِّين من شِيَمِ المؤمنين؛ فقال
جل جلالُه: (وكأيِّن من نبيٍّ قاتل معه رِبِّيُّون كثيرٌ فما
وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله
يُحِبُّ الصّابرين)؛[23] وما ذلك إلا لأنّ "المحبّة والإرادة
أصلُ كلّ فعلٍ ومبداه؛ فلا يكون الفعل إلا عن محبّةٍ وإرادةٍ،
حتى دفعُه للأمور التي يبغضها ويكرهها؛ فإنما يدفعها بإرادته
ومحبّته لأضدادها... ولذلك كانت المحبّة والإرادة أصلاً للبغض
والكراهة؛ فإنّ البغيض المكروه ينافي وجود المحبوب".[24]
[4] ولا ريب أنّ من القيام بحقّ المحبوب الغيرةَ عليه، والذّبّ
عنه؛ وليت شعري كيف يكون محبّاً لرسول الله من لا يتمعّر وجهُه
إذا أُسيء إلى سنّة النبي صلى الله عليه وسلم؛ كما قال ابن
القيّم رحمه الله: "ّالغيرة له أن يكره ما يكره، ويغار إذا عُصي
محبوبُه، وانتُهك حقه وضُيِّع أمرُه؛ فهذه غيرة المحبّ حقا،
والدين كلُّه تحت هذه الغيرة؛ فأقوى الناس ديناً أقواهم
غيرةً...فمحبّ الله ورسوله يغار على قدر محبّته وإجلاله، وإذا
خلا قلبه من الغيرة لله ولرسوله فهو من المحبّة أخلى وإن زعم أنه
من المحبّين؛ فكذب من ادّعى محبّة محبوب من الناس وهو يرى غيره
ينتهك حرمةَ محبوبه ويسعى في أذاه ومساخطه، ويستهين بحقه،
ويستخفّ بأمره وهو لا يغار لذلك!"[25] فكيف بحقوق رسول الله صلى
الله عليه وسلم؟!
[5] إنّ هذه المحبّة للمحبوب، والقيام بحقوقه، والغيرة عليه هي
من أُسُس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن دواعي الجهاد؛
ورحم الله البدر العيني؛ فقد أشار إلى ذلك بتقريره أنّ "محبّة
الرسول عليه السلام إرادة فعلِ طاعته وترك مخالفته، وهي من
واجبات الإسلام قال الله: [26] (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم
وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموالٌ اقترفتموها وتجارةٌ تخشون
كسادها ومساكن ترضونها أحبَّ إليكم من الله ورسوله وجهادٍ في
سبيله فتربّصوا حتى يأتي الله بأمره)".[27]
[6] ولله درّ ابن القيّم حيث علّل هذا الأمرّ بأنه "إذا ترحّلت
هذه الغيرةُ من القلب ترحّلت منه المحبّة؛ بل ترحّل منه الدّين
وإن بقيت فيه آثارُه. وهذه الغيرة هي أصلُ الجهادِ والأمرِ
بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي الحاملة على ذلك؛ فإنْ خَلَتْ من
القلب لم يُجاهدْ ولم يأمرْ بالمعروف ولم ينهَ عن المنكر؛ فإنه
إنما يأتي بذلك غيرةً منه لربّه؛ ولذلك جعل الله سبحانه وتعالى
علامةَ محبّتِه ومحبوبيّتِه الجهاد، فقال الله تعالى[28]: (يا
أيها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقومٍ
يحبّهم ويحبّونه أذلّةٍ على المؤمنين أعزّةٍ على الكافرين
يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومةَ لائم ذلك فضلُ الله يؤتيه
من يشاء والله واسعٌ عليم)".[29]
[7] وقد شهد النبي صلى الله عليه وسلم لصحابته الكرام بصدق
المحبّة والولاء؛ فقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم عن أبي
هريرة: (لولا أن أشقَّ على المؤمنين؛ ما قعدتُ خلف سريّةٍ تغزو
في سبيل الله، ولكن لا أجد سعةً فأحملهم، ولا يجدون سعةً
فيتّبعوني، ولا تطيب أنفسُهم أن يقعدوا بعدي!)، وفي رواية:
(ويشقّ عليهم أن يتخلّفوا عنّي)![30] وما أحسنَ ما رواه أبو موسى
في فضائل الأشعريِّين من صحيح مسلم أنّ النبي صلى الله عليه وسلم
قال: (ومنهم حكيمٌ إذا لقي الخيلَ ـ أو قال العدوّ ـ قال لهم:
إنّ أصحابي يأمُرونكم أن تَنْظُرُوهم)![31] ولله درُّ البخاريِّ
حيث ترجم في كتاب المغازي: (باب غزوة الحديبية، وقول الله
تعالى:[32] (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يُبايِعونَكَ تحت
الشجرة)[33] كأنما يُشير إلى حديث يزيد بن عُبَيْد، قال: (قلتُ
لسلمة بن الأكوع: على أيِّ شيءٍ بايعتمْ رسولَ اللهِ صلى اللهُ
عليه وسلم يومَ الحُديبية؟ قال: على الموت)![34]
[8] ولا ريب أنّ حال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أظهرُ دليلٍ
على فِداءِ الحبيب صلى الله عليه وسلم بأنفسهم رضوان الله عليهم
أجمعين؛ كما قال أبو طلحة للنبي صلى الله عليه وسلم: (بأبي أنت
وأمّي لا تُشرفْ؛ يُصيبك سهمٌ من سهام القوم؛ نَحْري دون
نَحْرِك!).[35] وإننا حين نقرأ قول الله تعالى: (يا أيها الذين
آمنوا اتقوا اللهَ وكونوا مع الصادقين ما كان لأهل المدينة ومن
حولَهم من الأعراب أن يتخلّفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم
عن نفسه)[36] نتذكّر ثناءَ الله عز وجل على الصحابة رضوان الله
عليهم بقوله جل جلاله: (من المؤمنين رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله
عليه فمنهم من قضى نحبَه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا
تبديلاً).[37] وقد نزلتْ في أنس بن النضر الذي استشهد يومَ أُحُد
حين انهزم الناس؛ فقال: اللهمّ إنّي أعتذر إليك مما صنع هؤلاء...
فمضى فقُتل، فما عُرف؛ حتى عرفته أخته بشامةٍ أو ببنانه، وبه
بضعٌ وثمانون من طعنةٍ وضربةٍ ورميةٍ بسهم).[38] ورحم اللهُ من
قال:
قلبي يُحدِّثُني بأنّكَ مُتْلِفِي
رُوحِِي فِداكَ عرفتَ أم لم تعرِفِ!
ما لي سِوى رُوحِي وباذِلُ نفسِهِ
في حبِّ مَنْ يهواه ليس بِمُسْرِفِ!
[9] وما ألطفَ ما رواه البُخاريُّ عن عروة بن الزبير رضي الله
عنهما قال: (كان في الزبير ثلاثُ ضرباتٍ بالسيف: إحداهنَّ في
عاتقه، قال: كنتُ لأدخِلُ أصابعي فيها، قال: ضُرِب ثِنْتَيْن
يومَ بدرٍ وواحدةً يومَ اليرموك. قال عروة: قال لي عبد الملك بن
مروان: حين قُتِل عبدُ الله بنُ الزبير: يا عروة هل تعرف سيفَ
الزبير؟ قلتُ: نعمْ، قال: فما فيه؟ قلتُ: فيه فَلَّةٌ فُلَّها
يومَ بدرٍ؛ قال: صدقتَ! * بهنَّ فُلولٌ من قِراعِ الكتائبِ!*[39]
ثم ردَّه على عروة).[40]
[10] ورحم الله الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي؛ حين قال:
"قد أجاد من قال:
قالت وقد سألتْ عن حال عاشقها
باللهِ صِفْهُ؟ ولا تُنقِصْ ولا تَزِدِ!
فقلتُ: لو كان رهنَ الموتِ من ظمأ
وقلتِ: قِفْ عن وُرُودِ الماءِ لم يَرِدِ![41]
ثانياً: حقيقةُ حُبِّ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم:
[1] تتجلّى حقيقة محبّة النبي صلى الله عليه وسلم في شدّة الميل
إليه ، كما قيل:
مكانُك من قلبي هو القلبُ كُلُّهُ
فليس لخَلْقٍ في مكانِكَ موضعُ!
وخَطَّتْكَ رُوحِي بين جِلْدِي وأعظُمِي!
فكيف تُرانِي إن فَقَدْتُكَ أصنعُ؟!
أ) فالمحبّة تعلُّقٌ بِالحبيب، وشوقٌ وحنينٌ، ودمعٌ يَنِمُّ عن
حُزنٍ دفين! كما قال ابنُ فَرَح:
غَرامِي صَحِيحٌ والرَّجا فيك مُعضَلُ!
وحُزنِي ودَمْعِي مُرْسَلٌ ومُسَلْسَلُ!
وصَبْرِيَ عنكُمْ يَشْهَدُ العقلُ أنّهُ
ضَعِيـفٌ ومَتْرُوكٌ وذُلِّـيَ أجْمَلُ!
ولا حسنٌ إلا سماعُ حديثِكم
مُشـافهةً يُمْــلى عَلـَيَّ فأنقلُ![42]
ولله درُّ من قال:
حَيَّتْكِ ألْسِنَةُ الحَيا من دارِ
وكَسَتْكِ حُلَّتَها يدُ الأزهارِ!
ما الحُبُّ إلا لوعةٌ تَلِجُ الحَشا
أو مَدْمَعٌ جارٍ لفُرْقَةِ جارِ!
ب) وقد ذكر الحافظ ابن كثير أنّ وفداً من العراقيّين حجّوا سنة
أربعٍ وتسعين وثلاثمائة وكانوا يخافون قطّاعَ الطريق، ومعهما
قارئان من أحسن الناس صوتاً، "وقد كان أمير العراق عزم على العود
سريعاً إلى بغداد على طريقهم التي جاؤوا منها، وأن لا يسيروا إلى
المدينة النبويّة؛ خوفاً من الأعراب... فشقّ ذلك على الناس، فوقف
هذان الرجلان القارئان على جادّة الطريق التي منها يُعدَل إلى
المدينة النبويّة، وقرءا (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من
الأعراب أن يتخلّفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن
نفسه)الآيات؛[43] فضجّ الناسُ بالبكاء، وأمالت النوقُ أعناقها
نحوهما؛ فمال الناسُ بأجمعهم والأمير إلى المدينة النبويّة،
فزاروا وعادوا سالمين إلى بلادهم".[44]
فؤادِي بِرَبْعِ الظّاعِنِينَ أسِيرُ
يُقيمُ على آثارِهمْ ويسيرُ!
ودمعِي غزيرُ السَّكْبِ في عَرَصاتِهمْ
فكيفَ أكُفُّ الدَّمعَ وهو غزيرُ؟
وإنّ تَبارِيحِي بهمْ وصَبابَتي
لهُنَّ رَواحٌ في الحَشا وبُكُورُ!
أحِنُّ إذا غَنَّتْ حمائمُ شِعْبِهم
وينزعُ قلبي نحوَهم ويَطيرُ!
ومَنْ لي بأن أُرْوَى من الشِّعْبِ شربةٌ
وأنظرَ تلك الأرض وهي مطِيرُ!
بَعُدْتُُمْ ولم يبعُدْ من القلبِ حُبُّكم
وغِبْتُمْ وأنتمْ في الفؤادِ حُضُورُ!
ت) وقد ذكر القاضي عياض رحمه الله اختلافَ الناسِ في تفسير محبّة
النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "حقيقةُ المحبّة: الميلُ إلى ما
يوافق الإنسان، وتكون موافقته له: إما لاستلذاذه بإدراكه: كحُبِّ
الصُّوَرِ الجميلةِ والأصواتِ الحسنةِ والأطعمةِ والأشربةِ
اللَّذيذة وأشباهها مما كلّ طبعٍ سليمٍ مائلٌ إليها؛ لموافقته
له، أو لاستلذاذه بإدراكه ـ بحاسّة عقله وقلبه ـ معانيَ باطنةً
شريفة: كمحبّة الصالحين والعلماء وأهل المعروف والمأثور عنهم
السِّيَر الجميلة والأفعال الحسنة؛ فإنّ طبع الإنسان مائلٌ إلى
الشغف بأمثال هؤلاء...أو يكون حبّه إيّاه لموافقته له من جهة
إحسانه له وإنعامه عليه؛ فقد جُبلت النفوسُ على حبّ من أحسن
إليها؛ فإذا تقرّر هذا نظرتَ هذه الأسبابَ كلَّها في حقه صلى
الله عليه وسلم؛ فعلمتَ أنه صلى الله عليه وسلم جامعٌ لهذه
المعاني الثلاثة الموجبة للمحبّة".[45]
ث) وما أحسنَ ما اختاره العلامة ابنُ القيِّم من تعريف الجُنَيْد
رضي الله عنه للمحبّة، حيث قال ابنُ القيِّم: "قال أبو بكر
الكتاني: جرتْ مسألةٌ في المحبّة بمكّة أعزَّها الله تعالى
أيّامَ الموسمِ، فتكلَّم الشيوخ، وكان الجُنَيْدُ أصغرَهم
سِنّاً، فقالوا: هاتِ ما عندك يا عراقي؟ فأطرق رأسه ودمعتْ
عيناه، ثم قال: عبدٌ ذاهبٌ عن نفسِهِ، مُتَّصِلٌ بذكرِ ربِّه،
قائمٌ بأداء حقوقِهِ، ناظرٌ إليه بقلبِهِ، أحْرَقتْ قلبَهُ
أنوارُ هَيْبتِهِ، وصفا شِرْبُهُ من كأسِ وُدِّهِ، وانكشف له
الجبّارُ من أستار غَيْبِهِ؛ فإنْ تكلَّم فباللهِ، وإن نطقَ فعن
الله، وإنْ تحرَّك فبأمرِ اللهِ، وإنْ سَكَنَ فمع اللهِ؛ فهو
باللهِ وللّهِ ومع الله! فبكى الشيوخُ؛ وقالوا: ما على هذا مزيدٌ
جزاكَ اللهُ يا تاجَ العارفين!"[46]
ج) ولله درّ ابن بطّال حيث قال في شرح حديث أنس في البخاري باب
(حُبُّ الرسول e من الإيمان): (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ
إليه من والده وولده والناس أجمعين): "قال أبو الزناد: هذا من
جوامع الكلم الذي أُوتِيَهُ عليه الصلاة والسلام؛ إذ أقسامُ
المحبّة ثلاثةٌ: محبّة إجلالٍ وإعظامٍ: كمحبّة الوالد، ومحبّة
رحمةٍ وشفقةٍ: كمحبّة الولد، ومحبّة مشاكلةٍ واستحسانٍ: كمحبّة
الناس بعضهم بعضاً".[47]
ح) ورحم الله الإمامَ النوويَّ ما ألطفَ قولَه شارحاً حديث عائشة
أنّ النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته (خرج بين رجلَيْن:
أحدهما العبّاس) وفي روايةٍ: (خرج ويدٌ له على الفضل بن عبّاس،
ويدٌ له على رجلٍ آخر)، فقد قال: "كانوا يتناوبون الأخذ بيده
الكريمة صلى الله عليه وسلم تارةً هذا، وتارةً ذاك وذاك،
ويتنافسون في ذلك؛ وهؤلاء هم خواصُّ أهل بيته الرجال الكبار،
وكان العبّاس رضي الله عنه أكثرَهم ملازمةً للأخذ بيده الكريمة
المباركة صلى الله عليه وسلم، أو أنه أدام الأخذ بيده؛ وإنما
يتناوب الباقون في اليد الأخرى، وأكرموا العباس باختصاصه بيدٍ
واستمرارها له؛ لما له من السن والعمومة وغيرهما".[48]
[2] تتمثّل حقيقة محبّة النبي صلى الله عليه وسلّم كذلك في
الإيمان به، وتصديق رسالته.
أ) وما أحسنَ قولَ القسطلاني في شرح حديث الصحيحين: (لا يؤمن
أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين):
"المراد هنا المحبّة الإيمانيّة: وهي اتباعُ المحبوب، لا
الطبيعيّة؛ ومن ثَمَّ لم يُحْكَمْ بإيمان أبي طالب مع حبّه عليه
الصلاة والسلام على ما لا يخفى؛ فحقيقة الإيمان لا تتم ولا تحصل
إلا بتحقيق إعلاء قدره ومنزلته على كلّ والدٍ وولدٍ ومُحسنٍ؛ ومن
لم يعتقدْ ذلك فليس بمؤمن".[49]
لله مَيْتٌ بالمدينةِ قَبْرُهُ
قصرٌ مَشِيدٌ والقُصورُ مقابرُ!
للهِ مَيْتٌ كلُّ حَيٍّ لم يكنْ
بِهُداهُ حَيّاً فهو عظمٌ ناخِرُ!
إنْ لمْ أنلْهُ ولم يكنْ مِنِّي لهُ
بِسِنانِ رُمْحِي أو لسانِي ناصِرُ!
فأنا النَّصُورُ لوحيِهِ بدلائل
وجهُ اليقينِ بهنَّ أبلجُ زاهِرُ!
من يَلْقهنَّ بفهمِهِ فكأنما
في مَسْمَعَيْهِ الوحيُ غضٌّ ناضرُ!
ويهُزُّ مِنْ عِطْفِي إذا جَنَّ الدُّجَى
أمَلِي كما هزَّ الجناحَ الطائرُ!
ب) ولا ريبَ أنّ هذه الأمة قد فقدتْ ريادتها للعالمين؛ منذ غاب
حُبُّ سنّةِ خاتمِ النبيِّين صلى الله عليه وسلم عن قيادتها!
وليت شعري هل ظمئت الأرواح وكثرت الأتراح؛ إلا لبُعدنا عن سنة
نبيِّنا صلى الله عليه وسلم ومائها القراح؟! فلا ملجأ ولا منجا
لنا إلا بالعودة إلى ذلك الينبوع الصافي الذي لم يُكَدَّرْ! فإنّ
سنّة نبيّنا محمّد صلى الله عليه وسلم أحبُّّ إلى العاقل من
الدنيا وما فيها؛ ورحم الله العلامة ابن المنيّر ما أحسنَ قولَه:
"السنّة هي الجُنّة الحصينة لمن تدرّعَها، والشِّرعة المنيعة لمن
تشرّعها: وِِرْدُها صافٍ، وظلّها ضافٍ، وبيانها وافٍ، وبرهانها
شافٍ"![50]
ج) وقد كان سلفنا الصالح يحذرون من مخالفة النبي صلى الله عليه
وسلم ويخافون مفارقة سنّته؛ إذ في ذلك الضلال والفتنة، كما قال
الله جل جلاله: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنةٌ
أو يصيبهم عذاب أليم).[51] وقال عمر رضي الله عنه محذراً من
هَجْرِ سُنَّةِ النبي صلى الله عليه وسلم: "أخشى إن طال بالناس
زمانٌ أن يقولوا: ما نجد الرجمَ في كتاب الله؛ فيضلوا بترك فريضة
أنزلها الله"![52]
د) وقال ابن مسعود رضي الله عنه في صلاة الجماعة: "إن الله شرع
لنبيِّكم سنن الهدى، وإنهنّ من سُنَن الهدى، ولو أنكم صلّيتم في
بيوتكم كما يصلّي هذا المتخلِّف في بيته؛ لتركتم سنةَ نبيِّكم؛
ولو تركتم سنة نبيِّكم لضللْتم"![53]
[3] إنّ حقيقة محبّة النبي صلى الله عليه وسلم تتمثل في توقيره
وتعظيمه؛ وفي الإدراك الواعي لعظمة سُنَّتِه.
أ) ومن هنا قال ابن القيّم رحمه الله: "عشق صفاتِ الكمالِ من
أنفع العشقِ وأعلاه؛ وإنما يكون بالمناسبة التي بين الروح وتلك
الصفات؛ ولهذا كان أعلى الأرواح وأشرفها: أعلاها معشوقاً
وأشرفَها معشوقاً، كما قيل:
أنتَ القتيلُ بكلّ من أحببتَهُ
فاخترْ لنفسِك في الهوى مَن تصطفي!"[54]
ب) وقد كان لسلف هذه الأمة رضي الله عنهم النصيبُ الأوفر من
التوفيق إلى ذلك؛ لصلاح قلوبهم وصفاء عقولهم، كما روى البخاري في
(المغازي) عن المسيَّب بن رافع قال: لقيتُ البراء بن عازب رضي
الله عنهما، فقلتُ: طُوبى لك؛ صحبتَ النبي صلى الله عليه وسلم،
وبايعتَه تحت الشجرة! فقال: يا ابنَ أخي أنت لا تدري ما أحدثنا
بعده!) قال ابن حجر: "غبطه التابعيُّ بصحبة النبي صلى الله عليه
وسلم؛ وهو ممّا يُغبَطُ به"![55] وأخرج مسلم نحو ذلك في
(الفضائل) عن حُصَيْن بن سَبْرة أنه قال لزيد بن أرقم: (لقد
لقيتَ يا زيدُ خيراً كثيراً؛ رأيتَ رسولَ الله صلى الله عليه
وسلم وسمعتَ حديثَه، وغزوتَ معه، وصلّيتَ خلفَه)![56]
ت) وما ألطفَ قولَ الحافظ ابن حجر تعليقاً على حديث أنس: (ما
كنتُ أحبُّ أن أراه من الشهر صائماً إلا رأيتُه، ولا من الليل
قائما إلا رأيته، ولا نائماً إلا رأيتُه، ولا مَسِسْتُ خزّةً ولا
حريرةً ألينَ من كفّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شمِمْتُ
مِسْكةً ولا عَبيرةً أطيبَ من رائحة رسول الله صلى الله عليه
وسلم) قال ابن حجر: "فيه أنه صلى الله عليه وسلم كان على أكمل
الصفات خَلْقاً وخُلُقاً؛ فهو كلُّ الكمال، وجُلُّ الجلال،
وجُملةُ الجمال عليه أفضلُ الصلاة والسلام"![57]
ث) وقد أحسن العلامة ابن القيّم التعبير عن هذا المعنى بقوله:
"إذا كانت سعادة العبد في الدّارين معلَّـقةً بهدي النبي صلى
الله عليه وسلم؛ فيجب على كل من نصح نفسَه، وأحبّ نجاتَها
وسعادتها أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن الجاهلين
به، ويدخل به في عداد أتباعه وشيعته وحزبه؛ والناس في هذا بين
مُسْتقِلّ ومُستكثِرٍ ومحرومٍ، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء
والله ذو الفضل العظيم".[58]
ج) ومن هنا صرّح القاضي عياض أنه قد ألّف كتابه النفيس(الشفا
بتعريف حقوق المصطفى) صلى الله عليه وسلم؛ لأجل"تعريف قدره
الجسيم وخُلُقِهِ العظيم، وبيان خصائصِهِ التي لم تجتمعْ قبلُ في
مخلوقٍ، وما يُدان اللهُ تعالى به من حقّه الذي هو أرفع
الحقوق!".[59]
ح) وقد كان للسلف حفاوةٌ بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وإعجابٌ
بروعتها؛ لأجلِ كمالِ حُبِّهم للنبيّ صلى الله عليه وسلم، كما
روى الشيخان عن ابن أبي ليلى أنّ كعب بن عجرة قال له: "ألا أهدي
لك هدية؟ قال: بلى، فأهْدِها لي"؛ فأهداه الصلاة
الإبراهيمية.[60]
خ) وقال أنس رضي الله عنه ـ كما في مسلم ـ من حديث محمود بن
الربيع عن عتبان بن مالك في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في
بيته: "فأعجبني الحديث؛ فقلت لابني: اكتبه".[61]
د) وقال حذيفة كما في الصحيحين من حديث الفتنة التي تموج كموج
البحر وقد سأله عنه عمر: "فحدثته حديثاً ليس بالأغاليط"![62]
وقال معمر كما في مسلم: قال لي الزهري: "ألا أحدِّثك بحديثين
عجيبين؟!" فذكر له حديث المرأة التي دخلتْ النارَ في هرّةٍ
حبستها، وحديث الرجل الذي أسرف على نفسه؛ فأوصى أن يُحرَق
ويُسحَق ويُذرى في الرّيح؛ فلما جمعه الله وقال: ما حملك على ما
صنعتَ؟ قال: خشيتُك يا ربِّ! فغفر له بذلك؛ قال الزهري: لئلا
يتّكل رجلٌ، ولا ييأسَ رجلٌ![63]
ذ) وكان للقوم اعتزازٌ بحكمة سنة النبي صلى الله عليه وسلم، كما
قال أبو بكرة الثقفي رضي الله عنه: "لقد نفعني الله بكلمةٍ
سمعتُها من رسول الله صلى الله عليه وسلم أيامَ الجمل؛ بعدما
كدتُ أن ألحقَ بأصحاب الجمل فأقاتل معهم؛ قال: لما بلغ رسولَ
الله صلى الله عليه وسلم أنّ أهل فارس قد ملّكوا عليهم بنتَ
كسرى؛ قال: (ما أفلح قومٌ ولَّوا أمرَهم امرأة).[64]
ر) وقال عامر الشعبي لرجلٍ سأله عمّنْ يُعتق أمتَه ثم يتزوّجها،
بعد أن حدّثه بحديث (ثلاثةٌ لهم أجران: رجلٌ من
أهل الكتاب آمن بنبيِّه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، والعبد
المملوك إذا أدّى حقَّ اللهِ وحقَّ مواليه، ورجلٌ كانت عنده
أمَةٌ فأدّبها فأحسن تأديبها، وعلّمها فأحسن تعليمَها، ثم أعتقها
فتزوّجها؛ فله أجران)، ثم قال عامر: "أعطيناكها بغير شيء! قد كان
يُرحل فيما دونها إلى المدينة"![65]
ز) وروى مسلم في شأن تسليمتَي التحليل من الصلاة عن أبي معمر عبد
الله بن سَخْبَرَة أنَّ أميراً كان بمكة يُسلِّم تسليمتين فقال
عبد الله: (أنَّى عَلِقها؟)، قال النووي: "أي: مِنْ أينَ حصَّل
هذه السُّنَّةَ وظفر بها؟".[66]
[4] وتتجلّى حقيقة محبّة النبي صلى الله عليه وسلم كذلك في طاعته
صلى الله عليه وسلم: باتباع أمره، واجتناب نهيه، والتأسّي به في
أموره كلها.
أ) وقد اعتبر الحافظُ ابنُ حجر رحمه الله حقيقةَ محبّة العبد
للنبي صلى الله عليه وسلم "أن لا يتلقَّى شيئاً من المأمورات أو
المنهيّات إلا مِن مِشْكاتِهِ، ولا يسلـك إلا طريقتَـهُ، ويرضى
بما شرعه؛ حتى لا يجد في نفسه حَرَجاً مما قضاه، ويتخلّق
بأخلاقِهِ في الجُود والإيثار والحِلْم والتواضع وغيرها".[67]
ب) وقال الحافظ ابن كثير في تفسير قول الله تعالى: (قل إن كنتم
تحبّون الله فاتبعون يُحببكم الله ويغفر لكم ذنوبَكم)[68]"هذه
الآية الكريمة حاكمةٌ على كل من ادّعى محبّة الله وليس هو على
الطريقة المحمّديّة؛ فإنه كاذبٌ في دعواه في نفس الأمر؛ حتى يتبع
الشرع المحمّدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله وأحواله،
كما ثبت في الصحيح أنه قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو
ردٌّ)... وقال الحسن البصري وغيره من السلف: زعم قومٌ أنهم
يحبّون الله؛ فابتلاهم الله بهذه الآية، فقال: (قل إن كنتم
تحبّون الله فاتبعون يحببكم الله)".[69]
ت) ولله درّ القاضي عياض حيث قال: "فإذا وجب الإيمان به وتصديقه
فيما جاء به؛ وجبت طاعته لأنّ ذلك مما أتى به، قال الله تعالى:
(يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله)،[70] وقال: (قل أطيعوا
الله والرسول)،[71] وقال: (وأطيعوا الله ورسوله لعلّكم
تُرحَمون)،[72] وقال: (وإن تطيعوه تهتدوا)،[73] وقال: (من يُطع
الرسول فقد أطاع الله)،[74] وقال: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما
نهاكم عنه فانتهوا)،[75] وقال: (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع
الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين
وحسن أولئك رفيقاً)،[76] وقال: (وما أرسلنا من رسولٍ إلا ليطاعَ
بإذن الله)؛[77] فجعل تعالى طاعةَ رسولِه طاعتَه، وقَرَنَ طاعتَه
بطاعتِه، ووعد على ذلك بجزيل الثواب، وأوعد على مخالفته بسوء
العقاب، وأوجب امتثالَ أمره واجتنابَ نهيِه. قال المفسّرون
والأئمّة: طاعةُ الرسول التزامُ سنّته، والتسليم لما جاء
به".[78]
ث) وقد كان السابقون رضي الله عنهم يُرَبُّون أبناءهم على
الاعتناء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم والاحتفاء بها؛ لأنّهم
يلتمسون فيها بركةَ الأنفاس والطهارةَ من الأدناس والاهتداءَ
بالنبراس، كما قال جل جلالُهُ: (أومَنْ كان مَيْتاً فأحييناهُ
وجَعَلْنا له نُوراً يَمشِي به في النّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ في
الظلماتِ ليس بخارجٍ منها)![79]
ج) فتراهم يهُشون لهدي النبي صلى الله عليه وسلم ويبشُّون،
ويتمسّكون به إذا ذهب الناس إلى غيره يَبُسُّون؛[80] حتى قال
مسلم بن الحجاج في شأن دعاء التشهد: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب
القبر ومن عذاب جهنم ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح
الدجال):" بلغني أنّ طاوساً قال لابنه: أدعوتَ بها في صلاتك؟
قال: لا؛ قال: أَعِدْ صلاتك؛ لأن طاوساً رواه عن ثلاثة أو أربعة
أو كما قال".[81]
ح) وبعث معاوية رضي الله عنه إلى المغيرة بن شعبة – كما في
البخاري– يسأله عن الدعاء بعد الصلاة.[82] وروى مسلم عن أمير
المؤمنين عمر رضي الله عنه قال: (اللّهمّ إني أُشْهِدُكَ على
أمراء الأنصار وأني إنما بعثتهم عليهم ليعدلوا عليهم وليعلّموا
الناس دينهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم ويقسموا فيهم فيئَهم
ويرفعوا إليّ ما أشكل عليهم من أمرهم، ثم إنكم أيها الناس تأكلون
شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين: هذا البصل والثوم، لقد رأيتُ
رسولَ الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد رِيحَهما من الرجل في
المسجد؛ أمر به فأُخرِج إلى البقيع؛ فمن أكلهما فلْيُمِتْهُما
طبخاً).[83]
خ) وسأل حكيم بن أفلح عائشة رضي الله تعالى عنها عن خلق رسول
الله صلى الله عليه وسلم، (قالت: ألستَ تقرأ القرآن؟ قلت: بلى.
قالت: فإن خُلُقَ نبيَِّ الله e كان القرآن. قال: فهممتُ أن
أقومَ ولا أسألَ أحداً عن شيءٍ حتى أموت)![84]
ثالثاً: علامات محبّة النبي صلى الله عليه وسلم:
[1] ليس حبّ نبيّنا محمّد صلى الله عليه وسلم مجرَّدَ كلماتٍَ
يردِّدُها الشعراء! أو خُطَبٍ يتلُوها على المنابر الخطباء!
ولكنّ محبّةَ النبي صلى الله عليه وسلم ـ فوق ذلك ـ نفحةٌ
ربّانيّةٌ وعقيدةٌ إيمانيّةٌ تستشعر رباط الأرض بالسماء! كما
قالت أُمُّ أيمن: (إنما أبكي لأنّ الوحي قد انقطع من
السماء)![85]
أ) ولله درُّ من قال:
تُبدي الغرامَ وأهلُ العشقِِ تكتمهُُ
وتدّعيهِ جِدالاً من يسلِّمُهُ؟
ما هكذا الحُبُّ يا من ليس يفهمُهُ!
خلِّ الغرامَ لصبٍّ دمعُهُ دمُهُ!
حيرانَ تُوجدُه الذكرى وتُعْدِمُهُ!
ب) وقد روى البخاري في كتاب الإيمان (باب حب الرسول صلى الله
عليه وسلم من الإيمان) حديث أبي هريرة أنّ رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال: (فوالذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ
إليه من والده وولده). قال الحافظ ابن حجر: "المراد سيّدُنا
رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؛ بقرينة قوله: (حتى أكون أحبَّ)،
وإن كانت محبّة جميع الرسل من الإيمان؛ لكنّ الأحبيّة مختصّة
بسيّدِنا رسولِ الله صلى الله عليه وسلم".[86]
ت) ولله درّ الحافظ ابن رجب، حيث قال: "إنّ أعظم نعم الله على
هذه الأمة إظهارُ محمد صلى الله عليه وسلم لهم، وبعثته ورسالته
إليهم، كما قال تعالى: (لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم
رسولا من أنفسهم)؛ فإنّ النعمة على الأمة بإرساله أعظم من النعمة
عليهم بإيجاد السماء والأرض والشمس والقمر..."[87]
ث) ورضي الله عن ابن عمر؛ فقد روى البخاريُّ في كتاب الاستسقاء
أنه قال: "رُبَّما ذكرتُ قولَ الشاعر وأنا أنظر إلى وجه النبيِّ
صلى الله عليه وسلم يستسقي؛ فما ينزل حتى يجيش كلُّ مِيزابٍ:
وأبيضَ يُسْتسقَى الغمامُ بوجهِهِ
ثِمال اليتامى عِصْمة للأراملِ!"[88]
[2] ومن علامة محبّة النبي صلى الله عليه وسلم إيثار آثاره صلى
الله عليه وسلم على كلّ شيء.
أ) كما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "علامة الحبّ المذكور أن
يُعرَض على المرء: أن لو خُيِّر بين فقد غرضٍ من أغراضه، أو فقد
رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لو كانت ممكنةً؛ فإن كان فقدُها ـ
أن لو كانت ممكنةً ـ أشدَّ عليه من فقد شيءٍ من أغراضه فقد اتصف
بالأحبيّة المذكورة؛ ومن لا فلا!"[89]
ب) وهذا ما صرّح به النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة
في كتاب (المناقب) من البخاري: (ليأتينَّ على أحدكم زمانٌ لأن
يراني أحَبُّ إليه من أن يكون له مثلُ أهلِه ومالِه)، وهو عند
مسلم في كتاب (الجنّة) بلفظ: (من أشدّ أمتي لي حبّاً: ناسٌ
يكونون بعدي؛ يودّ أحدُهم لو رآني بأهله وماله)![90] قال النووي:
"تقدير الكلام: يأتي على أحدكم يومٌ لأن يراني فيه لحظةً، ثم لا
يراني بعدها؛ أحبُّ إليه من أهله وماله جميعاً"![91] وقال ابنُ
حجر: "إنّ كلَّ أحدٍ من الصحابة بعد موته صلى الله عليه وسلم كان
يودُّ لو كان رآه وفقد مثلَ أهلِهِ ومالِه؛ وإنما قلتُ ذلك لأنّ
كلَّ أحدٍ ممّن بعدهم إلى زماننا هذا يتمنّى مثل ذلك، فكيف بهم
مع عظيم منزلتِه عندهم ومحبّتهم فيه؟!".[92]
ت) ورحم الله من كان لسانُ حالِه ومقالِه:
فيا بُعْدَ ما بيني وبين أحبّتي!
ويا قُرْبَ ما التفَّتْ عليه الضمائرُ!
[3] ومن علامات محبّة النبي صلى الله عليه وسلم الاقتداء به
وإحياء سنته.
أ) فقد قال القاضي عياض: "اعلمْ أنّ من أحبّ شيئاً آثره وآثر
موافقتَه؛ وإلا لم يكن صادقاً في حبّه وكان مدّعيا؛ فالصادقُ في
حبّ النبي صلى الله عليه وسلم من تظهر علامة ذلك عليه: وأوّلها
الاقتداء به، واستعمال سنّته، واتباع أقواله وأفعاله، وامتثال
أوامره واجتناب نواهيه، والتأدّب بآدابه في عسره ويسره ومنشطه
ومكرهه، وشاهد هذا قوله تعالى: (قل إن كنتم تحبّون الله
فاتبعـوني يحببكم الله)، وإيثار ما شرعه وحضّ عليه على هوى نفسه
وموافقة شهوته، قال الله تعالى: (والذين تبوّءوا الدار والإيمان
من قبلهم يحبّون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجةً مما
أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة)، وإسخاط العباد في
رضا الله... فمن اتصف بهذه الصفة فهو كامل المحبّة لله ورسوله؛
ومن خالفها في بعض هذه الأمور فهو ناقص المحبّة، ولا يخرج عن
اسمها".[93]
ب) ولله درّ الإمام أحمد بن حنبل حيث قال: "ما كتبتُ حديثاً عن
النبي صلى الله عليه وسلم إلا قد عملتُ به؛ حتى مرّ بي الحديث
أنّ النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى أبا طيبةَ ديناراً؛
فأعطيتُ الحجام ديناراً حتى احتجمت"![94]
[4] ومن علامة حبّ النبي صلى الله عليه وسلم المداومة على ذكره
والصلاة عليه،[95] وشدّة الشوق إليه. ومن هنا فإنّ أهل المحبّة
لا يخفون؛ لأنّ وجوهَهم الزاهرة قد أشرقتْ بأنوار قلوبِهم
العامرة، كما قيل:
إنّ المُحِبِّين قومٌ بين أعْيُنِهم
وَسْمٌ من الحبِّ لا يخفى على أحَدِ!
أ) وقد صرّح بذلك عياض في قوله: "من علامة محبّة النبي صلى الله
عليه وسلم كثرة ذكره؛ فمن أحبّ شيئاً أكثر ذكره، ومنها كثرة شوقه
إلى لقائه؛ فكل حبيبٍ يحبّ لقاء حبيبه، وفي حديث الأشعريين لما
قدموا المدينة أنهم كانوا يرتجزون:
غداً نلقى الأحبّهْ!
محمَّداً وصحبَهْ!"[96]
ب) ورضي الله عن أبي طلحة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد
احتبس عن الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ضرب زوجتَه
المخاضُ، وقال: إنك لتعلم يا ربّ أنه يُعجبني أن أخرج مع رسولك
إذا خرج وأدخل معه إذا دخل؛ وقد احتُبسْتُ بما ترى)![97]
ت) ولهذا المعنى كان صحابة النبي صلى الله عليه وسلم لا يرضون أن
يتخلّفوا عنه: كما قال عليّ رضي الله عنه يوم خيبر: (أنا أتخلّف
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟)![98] ويكفيك دلالةً على شدّة
حبّ الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم جوابُ أنس لمن سأله عن
حضور حُنين مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقال رضي الله عنه:
(وأين أغيب عنه؟)![99]
ث) ورحم الله من قال:
لا سكَّن اللهُ قلباً عَنَّ ذكرُكُمُ
فلم يَطِرْ بجناحِ الشوق خفّاقا!
لو شاء حَمْلِي نسيمُ الرِّيح حين هفا
وافاكُمُ بفتًى أضناهُ ما لاقى!
فالآنَ أحْمَدَ ما كُنّا لعهدِكُمُ
سَلَوْتُمُ وبَقِينا نحنُ عُشّاقا![100]
[5] ومن علامات محبّة النبي صلى الله عليه وسلم التأدّب معه صلى
الله عليه وسلم و"تعظيمه وتوقيره عند ذكره، وإظهار الخشوع
والانكسار مع سماع اسمه".[101]
أ) وقد روى مسلم عن عمرو بن العاص أنه قال: (ما كنتُ أُطيقُ أن
أملأ عينيَّ منه؛ إجلالاً له، ولو سُئلتُ أن أصِفَه ما أطقتُ؛
لأنِّي لم أكنْ أملأ عينيَّ منه. ولو متُّ على تلك الحالِ؛
لرجوتُ أن أكونَ من أهلِ الجنّة!)[102] ولله درُّ من قال:
فجادوا والمَهابةُ قد علتْهُمْ
بموفورِ التحيّةِ والسلامِ
ولولا أنه فرضٌ عليهم
لَهابُوا أنْ يُفُوهُوا بالكلامِ!
ب) وقد أورد القاضي عياض في (تعظيم النبي e بعد موته) عن مالك ـ
وقد سئل عن أيوب السختياني ـ قال: ما حدّثتكم عن أحدٍ إلا وأيوب
أفضل منه؛ وحجّ حجّتين فكنت أرمقه ولا أسمع منه؛ غير أنه كان إذا
ذُكر النبي صلى الله عليه وسلم بكى حتى أرحمه؛ فلما رأيتُ منه ما
رأيتُ وإجلالَه النبيَّ صلى الله عليه وسلم كتبتُ عنه!"[103]
[6] ومن علامة حبّ النبي صلى الله عليه وسلم كذلك موافقته في
الحبّ والبغض، والقيام بحق المنتسبين إلى خدمته صلى الله عليه
وسلم:
أ) وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة رضي الله عنها لما
جاءت تبلّغه غيرة نساء النبي صلى الله عليه وسلم من عائشة: (يا
بُنيَّة! ألا تُحبّين من أُحبّ؟ قالت: بلى)،[104] وفي رواية:
(قالت: والله لا أكلّمه فيها أبدا!).[105]
ب) وقد جاء ذلك صريحاً في حديث أبي داود والبزار ـ واللفظ له ـ
(أوثق عرى الإيمان: الحبّ في الله، والبغض في الله). قال عياض
رحمه الله:"ومنها محبّته لمن أحبّ النبي صلى الله عليه وسلم ومن
هو بسببه: من آل بيته وصحابته من المهاجرين والأنصار، وعداوة من
عاداهم وبغض من أبغضهم وسبّهم"![106] ولله دَرُّ القحطانِي حيث
قال:
إنّ الروافضَ شرُّ من وطيء الحصَى
مِن كلِّ إنسٍ ناطقٍ أو جانِ!
مَدَحُوا النبيَّ وخَوَّنُوا أصحابَه
ورَمَوْهُمُ بالظلمِ والعُدوانِ!
حَبُّوا قرابتَهُ وسَبُّوا صَحْبَهُ![107]
جَدَلانِ عند اللهِ مُنْتَقِضانِ![108]
قال عياض: "وهذه سيرة السلف حتى في المباحات وشهوات النفس، وقد
قال أنس رضي الله عنه وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم يتتبّع
الدبّاء من حوالي القصعة:(فما زلت أحبّ الدبّاء من يومئذ)!"[109]
وقد روى مسلم عن ميمونة أنها قالت: (لا آكُلُ من شيءٍ إلا شيء
يأكل منه رسولُ الله e)![110] وعن جابر حين سمع حديث النبي
:e(نِعْمَ الإدامُ الخَلُّ)؛ قال: (فما زلتُ أُحبُّ الخَلَّ؛ منذ
سمعتُها من نبيِّ اللهe)![111] وعن أبي أيوب لما سمع النبي e
يقول في الثوم: (أكرهه؛ من أجل ريحِهِ؛ قال: فإنّي أكره ما
كرهتَ)![112]
ت) ويدخل في هذا الباب حُبُّ أهلِ الحديث الشريف؛ فإنهم من أعظم
الناس خدمةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم خاصّتُه كما ذكر
ابن كثير في تفسير قول الله عزّ وجل: (يوم ندعو كلَّ أُناسٍ
بإمامهم)[113] عن بعض السلف أنه قال: "هذا أكبرُ شرفٍ لأصحاب
الحديث؛ لأنّ إمامَهم النبي e ".[114]
فهل لي بالقِبابِ قبابِ سَلْعٍ
مَقيلٌ من عُكُوفٍ أو لِمامِ!
فَعَذْبُ شرابِها يروي غليلي
وبَرْدُ ظِلالِها يشفي أُوامي!
تَمازَجَ حُبُّها بدمي ولحمي!
ومُخِّي ثم خّيَّمَ في عِظامي!
ث) ورحم الله جريرَ بن عبد الله؛ فقد قال أنس بن مالك خادم رسول
الله e : (خرجتُ مع جرير بن عبد الله البجليّ في سفرٍ، فكان
يخدمني، فقلتُ له: لا تفعلْ؛ فقال: إنّي قد رأيتُ الأنصار تصنع
برسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً آليتُ أن لا أصحبَ واحداً
منهم إلا خدمتُه). قال النووي رحمه الله: "في حديث جرير بن عبد
الله وخدمته لأنس؛ إكراماً للأنصار دليلٌ لإكرام المحسن والمنتسب
إليه وإن كان أصغرَ سنّاً، وفيه تواضعُ جريرٍ وفضيلته وإكرامه
للنبي صلى الله عليه وسلم وإحسانه إلى من انتسب إلى من أحسن إليه
صلى الله عليه وسلم"![115]
عُجْ بالعقِيقِ وقفْ بذاتِ الأجْرَعِ
وأنِخْ مَطِيَّكَ بالعُذَيْبِ ولَعْلَعِ!
وانْزلْ مِنًى فهناك قد بلغ المُنى
قومٌ وفازوا بالمقامِ الأرْفَعِ!
واذْكُرْ هناك تشوُّقي وتشوُّفي
وتَلَهُّفي وتَوَلُّعي وتَوَجُّعي!
واسْألْ أُهَيْلَ الحيِّ عن قلبي فَمُذْ
فارقْتُ طيْبةَ لم أجِدْ قلبي معِي!
ج) ومن هذا الباب كذلك قولُ عمر رضي الله عنه لعديّ بن حاتم
الطائي: (إنّ أوّلَ صدقةٍ بيّضتْ وجهَ رسولِ الله صلى الله عليه
وسلم ووجوهَ أصحابه صدقةُ طيء؛ جئتَ بها إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم).[116]
[7] ومن علامة حبّ النبي صلى الله عليه وسلم الحرص على التمسّك
بهديه، وتحمُّل الأذى في سبيله:
أ) وقد قال البدر العيني في شرح:(لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ
إليه من والده وولده والناس أجمعين): "المراد من الحديث بذلُ
النفس دونه صلى الله عليه وسلم".[117]
ب) وقال القسطلاني رحمه الله:"من علامات هذه المحبّة: نصرُ دين
الإسلام بالقول والفعل، والذبّ عن الشريعة المقدَّسة، والتخلّق
بأخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم في الجود والإيثار والحلم
والصبر والتواضع؛ فمن جاهد نفسَه في ذلك وجد حلاوةَ الإيمان؛ ومن
وجدها استلذّ الطاعات، وتحمّل في الدّين المشقّات؛ بل ربّما
يلتذّ بكثيرٍ من المؤلمات!"[118]
ت) وما أحسنَ ما قيل في هذا المعنى:
ما الحُبُّ إلا لقومٍ يُعرَفُون بِهِ
قد مارسوا الحُبَّ حتى هانَ مُعْظمُهُ!
عَذابُهُ عِنْدَهُمْ عَذْبٌ وظُلْمتُهُ
نُورٌ ومَغْرَمُهُ ـ بالراءِ ـ مَغْنَمُهُ!
ث) ورحم الله أمَّنا عائشة حبيبةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم؛
فقد روى عروة بن الزبير(أنّ حسّان بن ثابت كان ممّن كثّر على
عائشة؛ فسببتُه؛ فقالتْ: يا ابنَ أختي لقد كان يُنافح عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم)، قال النووي: "أي يُدافع
ويُناضل".[119] وفي روايةٍ: (كان يذبّ عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم)![120]
ج) ويدخل في هذا الباب جرأةُ كثيرٍ من علمائنا على نصح ولاة
الأمر؛ فقد أنكر ابن مسعود على عثمان رضي الله عنهما إتمام أربع
ركعات في منى، كما روى مسلم عن عبد الرحمن بن يزيد قال: (صلى بنا
عثمان بمنى أربع ركعات. فقيل ذلك لعبد الله بن مسعود فاسترجع، ثم
قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين، وصليت
مع أبي بكر الصديق بمنى ركعتين؛ فليت حظي مِن أربع ركعات ركعتان
متقبَّلتان)![121]
ح) وروى البخاري في كتاب الاعتصام عن شيبان بن عثمان بن طلحة أن
عمر قال له: (هممتُ أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمتها
بين المسلمين، قلت: ما أنت بفاعلٍ، قال: "لـمَ؟ قلت: لم يفعله
صاحباك! قال: هما المرآن يُقتدى بهما!).[122]
خ) وقد افتتح البخاريُّ كتابَ (مواقيت الصلاة) بإنكار عروة بن
الزبير على الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز؛ حين أخَّرَ
الصلاةَ يوماً، فقد (دخل عليه عروة بن الزبير فأخبره أن المغيرة
بن شعبة أخر الصلاة يوماً وهو بالكوفة فدخل عليه أبو مسعود
الأنصاري، فقال: "ما هذا يا مغيرة؟ أليس قد علمت أن جبريل نزل
فصلى فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم" يكررها خمس مرات. وقال
في آخر حديثه: "لقد حدثتني عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي العصر والشمس في
حجرتها قبل أن تظهر".[123]
د) وكذلك شأن أنس رضي الله عنه كما قال أبو أمامة بن سهل في
الصحيحين: صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر، ثم خرجنا حتى دخلنا
على أنس بن مالك فوجدناه يصلى العصر؛ فقلت: يا عمّ! ما هذه
الصلاة التي صليت؟ قال: "العصر، وهذه صلاة رسول الله التي كنا
نصلي معه".[124]
وقد روى البخاري في (مواقيت الصلاة) باب (تضييع الصلاة عن وقتها)
عن الزهري قال:(دخلتُ على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي، فقلتُ له:
ما يُبكيك؟ فقال: لا أعرف شيئاً مما أدركتُ إلا هذه الصلاة، وهذه
الصلاة قد ضُيِّعتْ).[125]
[8] ومن علامات حبّ النبي صلى الله عليه وسلم النصح لأمة محمد
صلى الله عليه وسلم. أ) قال عياض رحمه الله: "ومن علامة حبِّه
شفقتُه على أمّته، ونصحُه لهم، وسعيُه في مصالحهم، ورفعُ المضارّ
عنهم؛ كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين رؤوفاً
رحيما!"[126]
ب) وقال النووي رحمه الله في شرح حديث(الدّين النصيحة): "وأما
النصيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: فتصديقه على الرسالة،
والإيمان بجميع ما جاء به، وطاعته في أمره ونهيه، ونصرته حيّاً
وميتا، ومعاداة من عاداه وموالاة من والاه، وإعظام حقّه وتوقيره،
وإحياء طريقته وسنته، وبثّ دعوته، ونشر شريعته، ونفي التهمة
عنها، واستثارة علومها، والتفقه في معانيها، والدعاء إليها،
والتلطف في تعلمها وتعليمها، وإعظامها وإجلالها، والتأدب عند
قراءتها، والإمساك عن الكلام فيها بغــــــير علم، وإجلال أهلها
لانتسابهم إليها، والتخلّق بأخلاقه، والتأدب بآدابه، ومحبّة أهل
بيته وأصحابه، ومجانبة من ابتدع في سنته أو تعرّض لأحد من أصحابه
ونحو ذلك".[127]
ت) وقد كان لأهل القرون الأولى نَفْرَةٌ من مخالفة السنة،
ونُصْرةٌ لإخوانهم بالنصيحة والنهي عن الابتداع، فقد روى مسلم
أنّ عمران بن حصين كان يُحدِّث بحديث النبي e : (الحياء لا يأتي
إلا بخير)، فقال بشير بن كعب: "إنه مكتوبٌ في الحكمة أنّ منه
وقاراً، ومنه سكينة". فقال عمران: "أحدِّثك عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم وتحدثني عن صحفك؟"، وفي رواية: فقال بشير: "إنا
لنجد في بعض الكتب ـ أو الحكمة ـ أن منه سكينة ووقاراً لله، ومنه
ضعف" قال فغضب عمران حتى احمرتا عيناه، وقال: "ألا أراني أحدثك
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعارض فيه؟"[128]
ث) وروى مسلم قولَ الزهري لعروة: "ما بال عائشة تتم في السفر؟"
قال: "إنها تأولت كما تأول عثمان"، قال النووي: "رأيا القصر
جائزاً والإتمام جائزاً؛ فأخذا بأحد الجائزين". [129]
[9] ومن علامة محبّة النبي صلى الله عليه وسلم"زهدُ مدّعيها في
الدنيا، وإيثارُه الفقرَ واتصافَه به".[130]
أدِرْ أحاديثَ سَلْعٍ والحِمى أدِرِ
والْهَجْ بذِكْرِ اللِّوى أو بانِهِ العطِرِ!
واذْكُرْ نسيمَ المُنْحَنى سَحَراً
لمّا يمُرُّ على الأزهارِ والغُدُرِ!
ويا سحائبُ أغنى عنكِ نائلُهُ
فاسقِ المواطرَ حيّاً من بني المطرِ!
ما سرتُ إلا وطَيْفٌ منكَ يصحبُني
سُرًى أمامي وتثويباً على أثَرِي!
وقد اتفق الشراح على أنّ ذكر (الوالد والولد) في الحديث؛ لأنهما
"أدخل في المعنى من النفس؛ لأنهما أعزّ على العاقل من الأهل
والمال، بل أعزّ من نفس الرجل على الرجل"،[131] ولله درّ
القسطلاني حيث قال: "القلب السليم من أمراض الغفلة والهوى يذوق
طعم الإيمان ويتنعّم به كما يذوق الفم طعم العسل، ولا يذوق ذلك
ولا يتنعّم به إلا (من كان الله ورسوله أحبَّ إليهما مما سواهما)
من نفسٍ، وولدٍ، ووالدٍ، وأهلٍ، ومالٍ وكل شيء!"[132]
[10] ومن علامات محبّة النبي صلى الله عليه وسلم التعلّق بآثاره
صلى الله عليه وسلم،"ومن إعظامه وإكباره إعظامُ جميع أسبابه،
وإكرامُ مشاهده وأمكنته من مكّة والمدينة ومعاهده وما لمسه صلى
الله عليه وسلم أو عُرف به".[133] ورحم الله عياضاً ما أحسنَ
قولَه: "جديرٌ لمواطنَ عُمِّرتْ بالوحي والتنزيل، وتردّد بها
جبريل وميكائيل، وعرجتْ منها الملائكة والروح، واشتملتْ تربتها
على جسد سيّد البشر، وانتشر عنها من دين الله وسنّة رسوله ما
انتشر: مدارس آيات، ومساجد وصلوات، ومشاهد الفضائل والخيرات،
ومعاهد البراهين والمعجزات، ومناسك الدين، ومشاعر المسلمين،
ومواقف سيّد المرسلين، ومتبوَّأ خاتم النبيّين، حيث انفجرت
النبوّة، وأين فاض عُبابها، ومواطن مهبط الرسالة، وأول أرضٍ مسّ
جلدَ المصطفى ترابُها: أن تُعظَّم عرصاتها، وتُتنسَّم نفحاتُها،
وتُقبَّل ربوعها وجدرانها:
يا دارَ خير المرسلين ومن به
هُديَ الأنامُ وخُصَّ بالآياتِ
عندي لأجلك لوعةٌ وصبابةٌ
وتشوُّقٌ متوقِّد الجمراتِ!
وعليَّ عهدٌ إن ملأتُ محاجري
من تلكم الجدرانِ والعرصاتِ!
لأعفِّرنَّ مَصونَ شيبي بينها
من كثرة التقبيل والرشفاتِ!"[134]
خاتمة الكتاب
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على "بدر التمامِ،
ونورِ الظلامِ ومِسْكِ الختام!"[135]
وبعد فالحمد لله على بلوغ المقصود وحصول الموعُود:
وقد وفيتُ بما قد رُمتُ مُنْتَهِياً
فالحمد لله إذ ما رُمتُهُ كملا![136]
وقد رغبتُ في هذا الكتاب إلى تحقيق أهدافٍ أربعةٍ:
أولا: تذكير المسلمين بحقوق نبيِّهم e عليهم، وتشويقهم إلى
محبّتِه وزيارتِه، وحثِّهم على تعظيمِه وتوقيرِه والصلاة عليه؛
كما قال تعالى: (إنّ الله وملائكتَه يُصلُّون على النبي يا أيها
الذين آمنوا صَلُّوا عليه وسلِّموا تسليما).[137]
ثانياً: ربط محبّة النبي صلى الله عليه وسلم بأبعادها
الإيمانيّة، وذلك في(الأسس العقديّة لحُبِّ النبي صلى الله عليه
وسلم).
ثالثاً: إعطاء (حُبِّ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم) دلالاته
العلميّة الواسعة؛ من خلال بيان الثمرات النفسيّة والاجتماعيّة
لِحُبِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم. وذلك في(حقيقة) هذا
الحُبٍّ، و(علاماته).
رابعاً: تأكِيد العلاقة الوطيدة بين (حُبِّ النبي صلى الله عليه
وسلم) و(إحياء سُنَّتِه صلى الله عليه وسلم)؛ فإنهما صِنوان لا
يفترقان، وشِقّانِ لا ينفصلان! ولله درُّ من قال:
إنّ المُحِبَّ إذا أحبَّ حبيبهُ
صَدَقَ الصَّفاءَ وأنْجَزَ المَوْعُودا!
وقد اعتمدتُ على الله عز وجلّ في اجتنابِ طَرَفَي الإفراط
والتفريط؛ ورحم الله العلامة مُحدِّث الدنيا عبد الحيِّ
الكَتَّانِي [138]حيث قال في ترجمة شيخه محمد المكِّي بن
عزُّوز[139] من (فهرس الفهارس): "أعجبُ ما كان فيه الهيامُ
بالأثر والدّعوة إلى السنة؛ مع كَوْنِهِ كان شيخَ طريقةٍ ومن
المطَّلِعِين على الأفكار العصريّة! وهذه نادرةٌ من النوادر في
زمانِنا هذا الذي كثر فيه الإفراطُ والتفريطُ، وقلَّ مَنْ يسلك
فيه طريقَ الوسطِ والأخذ من كلِّ شيءٍ بأحسنِهِ؛ عاملاً على قول
الله تعالى: (وأْمُرْ قومَكَ يأخُذُوا بأحسنِها)"![140]
وبعد؛ فواللهِ ليس لي فيما جمعتُ من فضلٍ ولو قيد أنملة؛ فإنما
هي أقوال أهل العلم أجمعها، وأحوال أهل المعرفة أنقلها "لا
أدَّعِي فيها دعوى: فأقول: شافهتُ أو سمعتُ، أو فعلتُ أو صنعتُ،
أو شددتُ أو رحلتُ!"[141]
فما كان في هذا الكتاب من نقصٍ؛ فمن نفسي ومن جُنْدِ إبليس، وما
كان فيه من خيرٍ وبركةٍ؛ فمن الله الملك القدُّوس، ثم توفيقه إلى
صحبة العلماء (البُزْل القناعيس) وأنفاس الأولياء الذين لا يشقى
بهم الجليس!
والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبِهِ
ومن والاه.[142]
--------------------------------------------------------------------------------
[1] إشارة إلى حديث أنس الذي رواه البخاري في كتاب الاستئذان
(باب من زار قوماً فقال عندهم) فتح الباري 12/342. دار الفكر
بيروت. ط1-1414هـ. ومسلم في كتاب الفضائل (باب طيب عرق النبيِّ
صلى الله عليه وسلم والتبرُّك به) ـ واللفظ لمسلم ـ أنّ أم
سُلَيْم جاءت وقد عرق النبي صلى الله عليه وسلم (واستنقع عرقُه
على قطعة أديمٍ على الفراش، ففتحتْ عتيدتَها، فجعلتْ تُنشِّف ذلك
العرقَ؛ فتعصره في قواريرها؛ ففزع النبي صلى الله عليه وسلم
فقال: ما تصنعين يا أمَّ سُلَيْم؟ فقال: يا رسولَ الله نرجو
بركتَه لصبيانِنا؛ قال: أصبتِ!) وفي روايةٍ: (قالت: عَرَقُك
أدُوف به طِيبي) شرح النووي على مسلم 15/87. دار إحياء التراث
العربي. ط 6. قال ابن حجر: "أذوف ـ بمعجمةٍ مضمومةٍ ثم فاء ـ أي
أخلط" فتح الباري 12/344.
[2] إشارة إلى حديث الجذع الذي كان يقوم إليه النبي صلى الله
عليه وسلم في الجمعة؛ فلما تركه إلى المنبر سُمِع له أنينٌ كأنين
الصبي الذي يُسَكَّت، وقد رواه البخاري في كتاب الجمعة (باب
الخطبة على المنبر) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما (أنّ
جذعاً كان يقوم عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فلما وُضِع
المنبرُ؛ سمعنا للجذع مثل أصوات العشار، حتى نزل النبي صلى الله
عليه وسلم فوضع يدَه عليه) قال ابنُ حجر: "العِشار: جمع عُشَراء
ـ بالضمّ ثم الفتح ـ وهي الناقة الحامل التي مضتْ لها عشرةُ أشهر
ولا يزال ذلك اسمُها حتى تلد، وقال الخطابي: العشار: الحوامل من
الإبل التي قاربتْ الولادة" الفتح 3/59.
[3] قال شيخنا العلامة الفقيه اللغوي الأديب محمد علي الطريفي
نفع الله به المسلمين: "قال الشاعر:
أفضلُ المياهِ ماءٌ قد نبعْ من بين أصابعِ النبيِّ المُتَّبَعْ!
يليهِ ماءُ زمزمٍ فالكوثرِ فنيلُ مصرَ ثم باقي الأنهُرِ!"
[4] إشارة إلى معجزة النبي صلى الله عليه وسلم في تفجُّر الماء
من بين أصابعه الشريفة، وقد رواه البخاري في كتاب الوضوء (باب
التماس الماء إذا حانت الصلاة)، ومسلم في كتاب الفضائل (باب في
معجزات النبي صلى الله عليه وسلم)، عن أنس رضي الله عنه أنّ
النبي صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بوَضوءٍ (فوضع رسول الله صلى
الله عليه وسلم في ذلك الإناء يده، وأمر الناسَ أن يتوضّؤوا منه؛
قال: فرأيتُ الماءَ ينبع من تحت أصابعِه حتى توضّؤوا من عند
آخرهم) شرح النووي على مسلم 15/38. ورواه البخاري في كتاب
المناقب (باب علامات النبوّة) من رواية سالم بن أبي الجعد عن
جابر أنّ النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية (وضع يده في
الرُّكوة؛ فجعل الماء يفور بين أصابعه كأمثال العيون؛ فشربنا
وتوضّأنا، قلتُ: كم كنتم؟ قال: لو كُنّا مائة ألفٍ لكفانا، كنّا
خمسَ عشرة مائة) فتح الباري 7/279.
[5] إشارة إلى حديث سهل بن سعد رضي الله عنه الذي رواه البخاري
في كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم (باب مناقب عليّ
بن أبي طالب القرشيّ الهاشميّ أبي الحسن رضي الله عنه) أنّ رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال: (لأُعطِيَنَّ الرايةَ غداً رجلاً
يفتح اللهُ على يديه) ـ وفي رواية (لأعطينّ الراية غداً رجلاً
يُحبُّه اللهُ ورسولُه) ـ قال: فبات الناسُ يدوكون ليلتَهم
أيُّهم يُعطاها. فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله
عليه وسلم كلهم يرجو أن يُعطاها، فقال: أين علي بن بي طالب؟
فقالوا: يشتكي عينَيْهِ يا رسولَ الله! قال: فأرْسِلوا إليه؛
فأتوني به. فلما جاء بصق في عينيه ودعا له؛ فبريء حتى كأنْ لم
يكن به وجعٌ! فأعطاه الراية) فتح الباري 7/432.
[6] الأنبياء 107.
[7] زاد المعاد من هدي خير العباد لابن القيّم1/69. مؤسسة
الرسالة. ط1-1399 هـ.
[8] آل عمران 164.
[9] في ظلال القرآن لسيّد قطب رحمه الله 4/506-507 دار الشروق.
[10] فتح الباري 12/195.
[11] رواه البخاري عن أنس رضي الله عنه في بابين من كتاب الإيمان
باب (حلاوة الإيمان)، وباب (من كره أن يعود في الكفر كما يكره أن
يُلقى في النار من الإيمان). فتح الباري 1/86 و102. ورواه مسلم
في كتاب الإيمان باب (بيان خصالٍ من اتصف بها؛ وجد حلاوةَ
الإيمان) شرح النووي على مسلم 1/13-14.
[12] مدارج السالكين بين منازل إيّاك نعبد وإيّاك نستعين لابن
القيّم3/9. دار الفكر. 1412هـ.
[13] البقرة 165.
[14] روضة المُحبّين ونزهة المشتاقين. لابن القيّم. مكتبة الصفا.
القاهرة. ط1. 1423هـ. وقد ترجم رحمه الله في الباب الر ابع: (أنّ
العالم العلوي والسفلي إنما وُجِد بالمحبّة ولأجلها...) ص 54 وما
بعدها. وقال: "هذا بابٌ شريفٌ من أشرف أبواب الكتاب"!
[15] هذه الكلماتُ الجليلة التي تُشبه كلامَ الأنبياء ذكرها سيّد
قطب رحمه الله في أفراح الرّوح ص4. وقد أرى الناسَ من نفسِهِ
آيةً صادقةً في حبّ الله ورسولِه؛ حتى بذل روحَه ثمناً لذلك!
نسأل اللهَ أن يتقبّله في الشهداء، وأن يكتبنا وإيّاه من
السعداء!
[16] من محاضرةٍ قيّمة بعنوان: (بحر الحُبّ) لفضيلة الشيخ
الداعية الربّاني إبراهيم الدّويِّش حفظه الله ونفع به المسلمين.
[17] روضة المحبّين ص 17.
[18] قال العلامة الشيخ محمد علي الطريفي: "هذه نسبة إلى أحد
أمراء مصر، كما قال الشاعر:
فقلتُ لها واستعجلتْها بوادر جرتْ فجرى في إثرِ هنّ عبيرُ!
ذرينِي أُكسِّرْ عاذليكِ بزورةٍ إلى بلدٍ فيهِ الخصيبُ أميرُ!"
[19] روضة المُحِبِّين لابن القيِّم ص 66.
[20] المائدة 55-56.
[21] الحشر 11.
[22] الأعراف 157.
[23] آل عمران 146.
[24] روضة المُحبّين ونُزهة المشتاقين لابن القيّم ص 56.
[25] المرجع السابق ص 205.
[26] التوبة24
[27] عمدة القاري شرح صحيح البخاري1/144.
[28] المائدة 54.
[29] روضة المحبّين ص 205.
[30] هو بهذه الألفاظ في مسلم (شرح النووي13/20-22)، وأصله عند
البخاري مفرَّقاً في الإيمان والجهاد.
[31] شرح النووي على مسلم 16/61.
[32] الفتح 18.
[33] فتح الباري 8/206.
[34] المرجع السابق 8/219.
[35] رواه البخاري في كتاب المغازي (فتح الباري 8/107).
[36] التوبة 119-120.
[37] الأحزاب 23.
[38] فتح الباري 8/99.
[39] هو شطر بيتٍ للنابغة الذبياني. انظر ديوان النابغة الذبياني
ص 32. دار الكتب العلمية. بيروت. ط1. 1405هـ.
[40] فتح الباري 8/28.
[41] أضواء البيان عن إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ محمد الأمين
الشنقيطي 1/340. طبعة 1403هـ.
[42] القصيدة الغراميّة لابن فَرَح، انظر:(مجموع المتون في مختلف
الفنون) ص 37. جمع الشيخ عبد الله بن إبراهيم الأنصاري.
[43] التوبة 120.
[44] البداية والنهاية لابن كثير 6/406. دار المعرفة بيروت. ط4-
1419هـ. وقد أشار إلى هذه الحادثة د.عبد العزيز آل عبد اللطيف
نفع الله به في مجلّة البيان العدد 188 صفحة 6.
[45] الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض بن موسى اليحصبي
2/579-580.دار الكتاب العربي بيروت. ط1404هـ.
[46] مدارج السالكين 3/16.
[47] عمدة القاري شرح صحيح البخاري للبدر العيني1/144. دار
الفكر.
[48] شرح النووي على مسلم 4/138. دار إحياء التراث العربي. ط 6.
[49] إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري1/97 دار الكتب العربي.
ط1393هـ.
[50] في مقدّمة المتواري على تراجم أبواب البخاري ص 34.
[51] النور 63.
[52] فتح الباري 14/110.
[53] شرح النووي على مسلم 5/156.
[54] روضة المحبّين ص 63.
[55] فتح الباري 8/220.
[56] شرح النووي على مسلم 15/179.
[57] فتح الباري 4/736.
[58] زاد المعاد1/69-70.
[59] الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض 1/6.
[60] فتح الباري 7/61، وشرح النووي على مسلم 4/126.
[61] شرح النووي على مسلم 1/244.
[62] فتح الباري 7/307.
[63] شرح النووي 17/71-72.
[64] فتح الباري 8/468.
[65] رواه البخاري في كتاب العلم. باب تعليم الرجل أمتَه وأهلَه.
فتح الباري 1/256.
[66] شرح النووي على مسلم 5/82.
[67] المرجع السابق 1/88.
[68] آل عمران 31.
[69] تفسير القرآن العظيم لابن كثير 1/467.
[70] الأنفال20.
[71] آل عمران32.
[72] آل عمران132.
[73] النور 54.
[74] النساء 8.
[75] الحشر 7.
[76] النساء 69.
[77] النساء 64.
[78] الشفا 2/542-543.
[79] الأنعام 122.
[80] إشارة إلى حديث: (تُفتَح اليمن؛ فيأتي قومٌ يبسُّون،
والمدينة خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون، وتُفتَح الشام؛ فيأتي قومٌ
يبُسُّون، والمدينة خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون!) فتح الباري
4/575. كتاب فضائل المدينة. باب من رغب عن المدينة.
[81] شرح النووي على مسلم 5/89. قال النووي: "جمهورُ العلماء على
أنه مُستحَبٌّ ليس بواجبٍ؛ ولعلّ طاوساً أراد تأديبَ ابنِهِ،
وتأكيد هذا الدعاء عنده، لا أنه يعتقد وُجوبَه".
[82] فتح الباري 2/592. قال ورّاد كاتب المغيرة: "أملى عليَّ
المغيرة بن شعبة في كتاب إلى معاوية أنّ النبي صلى الله عليه
وسلم كان يقول في دُبُر كلِّ صلاةٍ مكتوبة: (لا إله إلا الله
وحده لا شريك له، له الملك وله الحمدُ وهو على كل شيءٍ قدير.
اللهمّ لا مانع لما أعطيتَ، ولا مُعطيَ لما منعتَ، ولا ينفع ذا
الجَدِّ منك الجَدّ).
[83] شرح النووي 5/53.
[84] المرجع السابق 6/26.
[85] رواه الشيخان. راجع شرح النووي على مسلم 16/10.
[86] فتح الباري 1/84.
[87] لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف. لابن رجب. دار
ابن كثير. ط1. 1413هـ.
[88] فتح الباري 3/182.
[89] فتح الباري 1/85.
[90] شرح النووي على مسلم 17/170، وقد سبق إلى الاستدلال بحديث
مسلم د.عبد الله الزبير عبد الرحمن في(محبّة النبي صلى الله عليه
وسلم) ص 28. دار الشريعة للنشر؛ فأقول:
ولكنْ بكتْ قبلي فهيّج لي البُكا بُكاها فقلتُ: الفضلُ
للمتقدِّمِ!
[91] شرح النووي على مسلم 15/118 كتاب الفضائل، باب (فضل النظر
إليه صلى الله عليه وسلم وتمنّيه).
[92] فتح الباري 7/311-312.
[93] الشفا 2/571-572.
[94] الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي 1/207.
مؤسسة الرسالة. ط1-1412هـ. تحقيق محمد عجاج الخطيب.
[95] ولقد فاز واللهِ أهلُ العنايةِ بالحديث الشريف فوزاً
عظيماً؛ ومن اللطائف ما ورد في كتاب المغازي من البخاري باب حديث
بني النضير؛ حيث طلب منِّي أن أُحْصِيَ الصلاة على النبي e في
حديث مخاصمة العباس وعليٍّ إلى عمر ـ رضي الله عنهم جميعا ـ في
الذي أفاء اللهُ على رسولِه من بني النضير؛ فقد ورد في هذا
الحديث الواحد أربعَ عشرَةَ صلاةً على النبي e! وراجع الحديث في
فتح الباري 8/74.
[96] الشفا 2/573.
[97] شرح النووي على مسلم 16/12.
[98] المرجع السابق 15/179.
[99] فتح الباري 8/376.
[100] الأبيات في ديوان ابن زيدون ص 195. دار الكتاب العربي. ط1-
1411هـ. ومدامع العشّاق لزكي مبارك ص 118، وقال: "إنّي لمفتونٌ
بهذا الشطر الحزين:
* سلوتُمُ وبقينا نحنُ عُشّاقا! *
[101] المرجع السابق 2/37.
[102] شرح النووي 2/138.
[103] المرجع نفسه 2/596-597.
[104] رواه البخاري في كتاب الهبة (فتح الباري 5/520).
[105] رواه مسلم (استفدتُه من ابن حجر في فتح الباري 5/522).
[106] الشفا 2/275.
[107] قال الشيخ العلامة محمد علي الطريفي: "مَنْ شكَّ في صحبة
الصِّدِّيقِ رضي الله عنه؛ فقد كفر، ومن أساء إلى صحابة رسول
الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد آذى اللهَ ورسولَه؛ فلْيحذرِ
المسلمون من شرَّ هذه الطائفة! كيف وقد روى الشيخان عن أبي هريرة
قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تسبُّوا أصحابي؛ فإنّ
أحدَكم لو أنفق مثل أُحُدٍ ذهباً؛ لم يبلغْ مُدَّ أحدِهم ولا
نصيفَه)! ولله درُّ النووي حيث قال: "فضيلة الصحبة ولو لحظةً لا
يُوازيها عملٌ، ولا تُنالُ درجتُها بشيءٍ"! شرح النووي على مسلم
16/93.
[108] نونيّة القحطاني ص31-32. مطبعة سفير. الرياض. ط4. 1420 هـ.
[109] الشفا 2/275. والحديث في البخاري.
[110] شرح النووي 13/102.
[111] المرجع السابق 14/6-7.
[112] المرجع السابق 14/9.
[113] الإسراء 71.
[114] تفسير القرآن العظيم 3/73.
[115] شرح النووي على مسلم 16/70.
[116] المرجع السابق 16/77.
[117] عمدة القاري 1/144.
[118] إرشاد الساري 1/104.
[119] شرح النووي 16/46.
[120] المرجع السابق 16/47.
[121] المرجع السابق 5/204.
[122] فتح الباري 15/174.
[123] المرجع السابق 2/182.
[124] أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة، باب (وقت العصر) فتح
الباري 2/212، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب
(استحباب التبكير بالعصر) شرح النووي 5/123.
[125] فتح الباري 2/195.
[126] الشفا 2/577.
[127] شرح النووي على مسلم 2 / 38 – 39.
[128] شرح النووي 2/6-7.
[129] المرجع السابق 5/195.
[130] الشفا 2/577.
[131] فتح الباري 1/85، وعمدة القاري 1/144، إرشاد الساري 1/96
بألفاظٍ متقاربة.
[132] إرشاد الساري 1/104.
[133] الشفا 2/619.
[134] المرجع السابق 2/622-624.
[135] هذه الكلمات المباركة للشيخ الداعية عطيّة محمد سعيد،
أُثبتُها له في (حُبِّ النبيe )؛ بِرّاً به! ولقد شهدتُه ـ والله
ثالثنا ـ يذكر حديثَ حوضِ النبي e (إنِّي على الحوض؛ حتى أنظرَ
من يَرِدُ عليَّ منكم، وسيؤخَذُ ناسٌ دوني؛ فأقول: يا ربّ منِّي
ومن أممّتي؛ هل شعرتَ ما عملوا بعدَك؟ واللهِ ما برِحُوا يرجعون
على أعقابِهم! فيبكي، ويقول كما يقول ابن أبي مُلَيْكة: (اللهمّ
إنّا نعوذ بك أن نرجعَ على أعقابنا، أو أن نُفْتَنَ في دينِنا).
فتح الباري 13/297، وشرح النووي على مسلم 15/55.
[136] من خاتمة لاميّة الأفعال لابن مالك. انظرْ شرح ولده بدر
الدِّين ص 59. طبعة 1367 هـ.
[137] الأحزاب 56.
[138] وقد أهدى إليَّ هذه اللطيفة الشيخ المحدِّث مساعد بشير،
وله إجازةٌ من الشيخ عبد الحيّ الكتاني، حينما لقيه في ليبيا
وعمرُهُ اثنا عشر عاماً؛ فاستجازه فأجازه؛ ومن هنا فهو يروي عن
الحافظ ابن حجر وبينهما ستة أنفس؛ لأنّ الكتانيَّ ذكر في ترجمة
ابن حجر من (فهرس الفهارس) أنّ بينه وبين ابن حجر خمسَةَ قُرونٍ
وخمسَ وسائط؛ فذلك العُلُوُّ! وإنّي أقول هذا الكلام نصيحةً
لرسول الله ، وتعريفاً بأهل السنة والمحبّة، وإنزالاً للناس
منازلهم!
[139] وهو من علماء تونس، وقد توفي سنة 1334 هـ، رحمه الله
تعالى.
[140] فهرس الفهارس والأثبات للشيخ عبد الحي الكتاني 2/856.
[141] لسان العرب 1/8. دار صادر. بيروت. ط6. 1417 هـ.
[142] وإنّي إذ يسّر اللهُ تعالى عَلَيَّ إتمامَ هذا الكتاب
بعونِهِ وفضلِه ومنِّهِ أسأله تعالى أن يُبارِكَ في شيوخي
العلماء الذين حَبّبوا إليَّ العلمَ والكتابةَ؛ لاسيما شيخي
العلامة المحدِّث مساعد بشير علي وشيخي الفقيه الداعية عبد الحيّ
يوسف اللَّذَيْن تفضَّلا بمراجعة أصل الكتاب، والشكر والعرفان
إلى سيّدي شيخ الإسلام الفقيه اللّغويّ الأديب محمد علي الطريفي
الذي علّمني العلم وأملى عليَّ بين يدَيْ مراجعتِهِ الكتابَ
نفائسَ من العلم المبارك ودُرَراً من المعرفة. أسأل اللهَ
العظيمَ ربَّ العرش الكريم أن ينفعني ووالديَّ وشيوخي وإخواني،
وأن يُبارك أعمالَنا ويُنوِّر قلوبَنا وقبورَنا، ويكتب لنا
النجاة يوم ينفع الصادقين صدقُهم. والحمد لله الذي بنعمته تتمّ
الصالحات.
|
إهــــــداء:
إليكما:
سيِّدَيَّ الكـريمين!
ووالديَّ الحبيبَيْن!
أُهْدِي هذا الكتاب..
فـحُبَّ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم
ثَمْرَةُ غَرْسِكما وزهرةُ عُمْرِكما!
فأسأل الله أن يسقيَكما
من حوض النبي صلى الله عليه وسلم كما سقيْتُماني
حُبَّ النبي صلى الله عليه وسلم من حَوْضِكما!
وحَسْبِي من بِرِّكما
أن ضممتُ اسمَ النبي صلى الله عليه وسلم
إلى اسمِكما!
ابنكما محمد عمر دولة
|
|
|
 |
إصدارة
جديدة
ختان
الإناث الشرعي رؤية طبية
المؤلف:د ست البنات
خالد
عرض الكتاب» |
|
|
|